محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

325

الإنجاد في أبواب الجهاد

فكان يسبي بعضهم بعضاً ويؤدونه ، قال : لا بأس به ، يجيء به من حيث شاء ، وكذلك قال إسحاق ( 1 ) . وقال أبو حنيفة ( 2 ) : « لا خير في الصلح على أن يؤدوا ذلك من أبنائهم ، ولا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا من ذراريهم أحداً ؛ لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم » . قال ابن حبيب : إن كان شرط أهل الحرب في عقد الصلح على الجزية أن يبيعوا في جزيتهم ما شاؤوا من أبنائهم ، أو مَنْ قهروه مِنْ كبارهم : فذلك جائزٌ إذا عقده عليهم رؤساؤهم وبطارقتهم في أصل الصلح ، وإن لم يكن ذلك شرطاً في أصل الصلح : لم يجز ، وكان العهد لجميعهم واحداً ، قال : وهكذا سمعت مُطرِّفاً وابن الماجشون يقولان ، وقاله غيرهما من أصحاب مالك ( 3 ) . فصلٌ : في المهادنة والصلح ، وهل يجوز ذلك أو يمنع ؟ قال الله - تعالى - : { وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } [ الأنفال : 61 ] ، وقال - تعالى - : { فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } [ محمد : 35 ] . فاختلف أهل العلم في حكم الآيتين : هل نسخت إحداهما الأخرى ؟ وما الناسخ منهما والمنسوخ إن كان كذلك ؟ أو : هل هما محكمتان ؟ وعلى أي وجه مع ذلك تُحملان ؟ وعن هذا نشأ الخلاف في جواز المهادنة ومنعها ، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - . فروي عن ابن عباس ، أن آية الجنوح للسلم منسوخة بقوله - تعالى - : { فَلاَ

--> ( 1 ) انظر : « المغني » ( 13 / 155 ) ، « الفروع » ( 6 / 256 ) . ( 2 ) انظر : « الأوسط » ( 11 / 335 - 336 ) ، وقد نقل منه مذهب أبي حنيفة وأحمد . ( 3 ) انظر : « النوادر والزيادات » ( 3 / 342 ) . وفيه أن الكلام السابق منقول عن سحنون وليس عن ابن حبيب .